محمد متولي الشعراوي
4442
تفسير الشعراوى
ذلك بدقة ، إن الرب هنا هو الآخذ ، وبنو آدم مأخوذ منهم ، والمأخوذ هو الذرية . وبنو آدم هم أولاد آدم من لدنه إلى أن تقوم الساعة ، وهنا اتحد المأخوذ والمأخوذ منه ، ولا بد أن نرى تصريفا في هذا النص ؛ لأنه يشترط أن يكون المأخوذ منه كلا ، والمأخوذ بعضه . والمثال : إن أنا أخذت منك شيئا ، فالمأخوذ منه هو الكل ، والمأخوذ بنفسه هو البعض . لكننا هنا نجد المأخوذ هو عين المأخوذ منه ، وأزال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الإشكال في هذه الآية فقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه أبو هريرة رضي الله عنه : ( لما خلق الله أدم مسح ظهره ، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة ، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وميضا من نور ثم عرضهم على آدم ، فقال : أي ربّ . من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء ذريتك . فرأى رجلا منهم . فأعجبه وميض ما بين عينيه . فقال : أي رب . من هذا ؟ قال : هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك ، يقال له داود ، فقال : رب كم جعلت عمره ؟ قال : ستين سنة . قال : أي رب زده من عمرى أربعين سنة ، فلما قضى عمر آدم جاءه ملك الموت . فقال : أو لم يبق من عمرى أربعون سنة ؟ قال : أو لم تعطها ابنك داود ؟ قال : فجحد آدم فجحدت ذريته ، ونسي فنسيت ذريته . وخطئ آدم فخطئت ذريته ) « 1 » . إذن ذرية آدم اخذت من ظهر آدم . وعرفنا من قبل أنّ كلا منا قبل أن تحمل به أمّه كان ذرّة في ظهر أبيه ، وأبوه كان ذرّة في ظهر أبيه حتى آدم . وهكذا نجد أنّ كل واحد مأخوذ من ظهره ذرية ، هناك أناس يؤخذون - كذرية - ولا يؤخذ منهم ، مثل من فرض عليهم الله أن يكون الواحد منهم عقيما ، وكذلك آخر جيل تقوم عليه الساعة ، ولن ينجبوا . وآدم مأخوذ منه لأنه أول الخلق ، وهو غير مأخوذ من أحد . وما بين الأب آدم وآخر ولد ؛ مأخوذ ومأخوذ منه . وبذلك يكون كل واحد مأخوذ ومأخوذ منه ، وهكذا يستقيم المعنى .
--> ( 1 ) رواه الترمذي في سننه وقال حديث حسن صحيح .